حول مؤتمر " العروبة والستقبل" في دمشق
كيف يمكن ان نبحث عميقاً في العلاقة بين العروبة والغرب في ظل قبضة العولمة القائمة والمسيطرة على مفاصل وخرائط ومضائق الحيز الجغرافي الذي نعيش عليه كعرب، وفي ظل هذا الربط والترابط الإقتصادي المتوحش القابض على روح الإنسان العربي، وفي ظل تناول الذاكرة القومية ومحاولة محو هذه الذاكرة، وتغيير مصطلحات الصراع ومفاهيم الوعي، وتعميم ثقافة القوة، وفقدان القدرة لدينا كعروبيين لإمتلاك منظومات فكرية تجددية لمواجهة كل ذلك.
هنا لا بد من التوقف عند ما قاله كلود نيكوليه المعروف بأنه مؤرخ فكرة" الجمهورية" في فرنسا: (لشدة إهتمامنا بتعميق الإختلاف بين البشر، ننسى ثقل الأمد الطويل والوحدة الضرورية للجنس البشري التي هي ليست في المكان وحده بل في الزمان ايضاً).
لذلك ربما علينا ان نتجاوز المكان الى الزمان في البحث عن علاقة العروبة بالغرب إذ لا بد من تحديد هذا النوع من النزاع الشبه غريزي الذي تناسخ عبر عقود طويلة منذ ان سقط النفوذ البيزنطي على يد المسلمين العرب المتجهين شمالاً والذين تحركوا في إتجاهات مختلفة فيما بعد.
لا بد من التوقف أمام تحديد معنى مصطلح العرب كجنس وهوية، وعرق ربما ، وما حصل من ترابط وثيق بين معنى الدلالة لتوصيف عرب وتوصيف الإسلام عند الغرب ليتعزز هذا العداء الغريزي خلال وما بعد الحروب الصليبية حيث تمّ تثبيت معنى المصطلح عند الغرب بربط كلمة عرب مع الإسلام والذي لازلنا نتلمسه بمناحي مختلفة حتى الآن سياسياً وثقافياً.
وحتى لا نعود كثيراً نحو الوراء بحثاً عن تجديد معنى مفهوم الهوية العربية وما نشأ من خلط جيوبوليتيكي في أشكال الصراع مع الغرب ربما من المهم ان نقف عند مرحلة هامة شكلت مفصلاً مهماً في توكيد مفهوم العداء هذا إثر حملة نابليون بونابرت على مصر وبعض الشرق ، وصولاً الى ما قام به محمد علي في مصر. فبعيداً عما خلفته الحروب الصليبية من أفكار تحولت الى ما يشبه الأيدولوجية الملتبسة حيال الشرق بين جمع ما تحمل الأسلمة لشعوب المنطقة وما يعنيه مفهوم العرب كجنس بشري يقيم على هذه المساحة.
بعد حملة محمد علي وما تلا ذلك من دخول إستعماري واضح نحو الشرق ظهر مصطلح تكويني له طابع قومي خجول راح يتأطر ليشكل ولو تحت نير الحكم العثماني المباشر في بعض الشرق ما ساعد على بلورة فكرة العروبة وتحديداً في إظهار هذه الحدة فيما أسميته الموقف الغريزي كعداء حتمي بين إستعمار يرث أفكاره المسبقة التي تجمع ما بين تصنيف سكان هذه المنطقة بالمسلمين العرب وما تأطر عند العرب من بداية فهم لموجات الصراع القادمة التي ترجمت نفسها باستعمار مباشر وبدء تلمس مظاهر وقناعات ذات طابع قومي.
عندما ظهر مفهوم العروبة واضحاً من خلال حركات إصلاحية أخذت طابعاً قومياً مع نهاية الحكم العثماني بدا واضحاً إرتباط ثقافة الوعي العروبي ولو بتواضعه في تلك المرحلة بتوكيد الصراع الحتمي مع الغرب لأن الغرب كان ومنذ إحتلال بريطانيا لمصر وما قامت به فرنسا في شمال افريقيا وما لعبته دول أوروبية عديدة عقب الفتنة الكبرى في لبنان عام 1860 بدا ارتباط ثقافة فكرة العروبة بأزلية هذا الصراع مع الغرب اذا صح التعبير خاصة بعد كشف المخططات التي وضعت سواء عبر سايكس بيكو أو وعد بلفور ، وغير ذلك من إعلان للإنتداب على ما سمي بعد الحرب العالمية الأولى العالم العربي.
ولعل العديد من الباحثين تناولوا مفهوم العروبة بأشكالها المختلفة ، لكن لا يمكن فهم هذه الهويتية القومية للعرب دون الأفكار الأساسية التي بنيت عليها ثقافة المشروع باتجاه النظرة للغرب والتي اساسها برمجة العقل السياسي العربي بالصراع مع هذا الغرب، فيما كان واضحاً ان الغرب المكتشف باكراً لأهميته الحيز الجغرافي الذي يقيم عليه العرب وسط هذا العالم كان عليه ان يمنع تحويل العروبة الى فكرة نهضة قومية قادرة على ان تتطور نحو بناء كيان واسع باتساع الحيز الجغرافي.
هنا علينا ان نعود الى منتصف القرن التاسع عشر عندما وضعت بريطانيا ثقافة جديدة لنظرة الغرب حيال المنطقة من خلال ما أسماه جورج قرم التوظيف الجيوبوليتيكي المشين الذي كان عليه ان يصل الى تشظي التنوع الديني والمذهبي ، وما يمكن ان يكون وعياً قومياً مبكراً وهو ما ورثه العقل السياسي الأميركي فيما بعد وتجلى بوضع أيديولوجيا خاصة قامت على تقزيم حتى خرائط سايكس – بيكو وتعميم ثقافة الأقليات، وكان هذا أساس ثقافة مشروع المحافظين الجدد.
لهذا نشأت فكرة نقل ثمانية ملايين يهودي أوروبي الى فلسطين إنطلاقاً مما سمي يومها ضمان نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط، ولهذا شكلت بريطانيا في ذلك الوقت لجنة برئاسة الدكتور كيث لتعمل على تنفيذ هذا المشروع، وبالتالي وعد بلفور جاء إستناداً الى أفكار بريطانية موروثة من نهاية القرن التاسع عشر، ولم يكن فقط نتيجة حاجات بريطانيا من اليهود خلال الحرب العالمية الأولى.
ومنذ ذلك التاريخ عندما تخوف البريطانيون والفرنسيون من نمو نوع من وعي قومي عند العرب أثارت الدولتان غبار الأقليات في الشرق الأوسط وأسست لبيئات متوترة طائفياً لتشكل فيما بعد طفرات عميقة ستساهم في ضرب الوعي القومي بكل أبعاده الإجتماعية والسياسية.
التناقض المقصود :
الغرب لايزال أسير هذا التداخل بين العروبة والإسلام.... بين العرب والمسلمين، وفي كل المخططات التي وضعت للمنطقة بدا هذا التداخل واضحاً في التقسيمات والخرائط، وها هو يتجلى الآن بعد الإسلاموية الجديدة التي ظهرت بعد العام 1980 وما تلا ذلك من تبدل في مصطلحات الغرب حيال المنطقة فتقدمت الإسلاموية على العروبة كمظهر قومي لدى العرب بل تحولت في ثقافة بعض العرب الى مظهر من مظاهر القومية ... هذا ما كرسه أيضاً مؤرخون غربيون ومستشرقون غربيون أظهروا المكان بإسلامويته حتى بما رافقها من خرافة الطقوس الإجتماعية والعاداتية فقد ظل المسيحي العربي خارج التوصيف العربي عند المؤرخ الغربي، وعند المستعمر الغربي أحياناً حيث سعى هذا الإستعمار الى نوع من التميز لهذه الفئة عن تلك.
العروبة في وهجها بالمقابل كانت اكبر من الوطنية المحلية، كما انها كانت أقوى من التوصيف الإسلامي الجيوبوليتيكي ...
العروبة شكلت يوماً التحدي المباشر لكل أشكال الإستعمار الغربي، بدأت بثورات هامة مع بداية القرن العشرين، الثورة السورية الكبرى، إنتفاضة أدهم خنجر في جنوب لبنان ضد الفرنسين وثورات مختلفة في شمال افريقيا، الى ما جرى من إنتفاضات وثورات أسست للإستقلال الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تجلت في المواجهات الكبرى والتي أهمها التصدي لعدوان 1956 وما أنتج ذلك من وضوح لمفهوم العروبة كأيدولوجيا قومية وقبل ذلك ثورة العراق ، مروراً بمحاولات الوحدة العربية، والآن بما تعنيه المقاومة في لبنان وفلسطين التي وان كانت تقاتل إسرائيل بشعارات بعضها له طابعه الإسلامي إلا انها تعبر عما لاتزال العروبة تكتنزه من مفاهيم تستوعب هذه الشعارات.
لهذا ندعو ونحن نواجه الغرب بكل أدواته الى ان تحتضن العروبة الإسلام كما المسيحية، وعندها نستطيع ان نطور أدواتنا لنحدد منهج المواجهة مع الغرب في زمن العولمة، وليس العكس. لم تستطع الإسلاموية إحتضان العروبة لتقدم بديلاً ومنهجاً كاملاً في مواجهة الغرب .
والسؤال، نحن أمام أي عروبة لكي نحدد علاقة هذه العروبة بمعنى الصراع .
لا نتحدث هنا عن عروبة الدولة ... بالرغم من ترابط بعض نشوء الدول عندنا بعد الحرب العالمية الأولى بنوع من ثقافة وعي قومي أسس لعناوين وشعارات ربما تحولت الى مبادىء وثوابت لأحزاب وتيارات رغم ان الإستعمار هو من رسم هذه الخرائط وأنشأ بعض الكيانات التي تحولت الى دول ... لكن عروبة الدولة سقطت عند الكثيرين، لهذا نتحدث عن عروبة الحراك الذي هو ما دون معنى الدولة، وهو حراك واضح وناضج في محطات عديدة لتحولات كبيرة على الساحة العربية.
في هذا الحراك يظهر جلياً منحى النظرة نحو الغرب كشكل من أشكال الإستعمار وان تبدلت أشكال هذا الإستعمار.
أنا كعروبي مطالب بأن أدخل زمن العولمة، فهذا الزمن هو الذي يفرض نفسه علي والسؤال ماذا طورنا من أدوات لتطوير مفهوم العروبة لندخل زمن العولمة، العروبة كما فهمناه كانت شكلاً من أشكال الهوية والنضال السياسي ولم تكن مجرد تحديد جغرافي لنوع من بشر.
الآن نريد عروبة إقتصادية، إجتماعية، علمية، ثقافية، هذا يعني تطوير أدوات، وهذا ما يجب على النخب السياسية ان تعمل من اجله.
دور الميديا :
الغرب الآن بأدواته، بالميديا، بإحداث تحولات، بالسيطرة، بالقبضة العولمية، طور أدواته لضرب العروبة، فيما لايزال خطاب العروبة يقف عند الشكل السياسي لدى البعض عندنا.
إن أخطر ما نواجهه اليوم هو طرح البعض عن العروبة الجديدة ... يراد لهذا التوصيف المفخخ ان يصل الى تعميم عروبة أميركية جديدة كما طرح البعض في لبنان، وفي عواصم عربية اخرى، حيث تمّ تعميم عروبة المحافظين الجدد .
هذا شعار مفخخ من خلال تفريغ الوعي القومي وفهم تجليات هذا الوعي .
لنقرأ هذا الجزء من دراسة نشرت مؤخراً، 64 بالمئة من الجامعات العربية الرسمية والخاصة أبطلت التعليم بالمطلق باللغة العربية ، حتى مادة التاريخ ، وقد نفاجأ غداً بدراسة الأدب العربي بالإنجليزية . دول عربية تتخلى عن جامعاتها الوطنية لصالح جامعات أجنبية وخاصة. والأخطر انتشار المدارس الخاصة، 78 بالمئة على خارطة العالم العربي من هذه المدارس تدرس في كل المناهج من الروضة الى الثانوية العامة باللغة الإنجليزية . ونتحدث عن العروبة بالإنجليزية أحياناً ؟ ! ...
بالمئة من موادنا التي نبث عبر وسائلنا الإعلامية من إنتاج غربي، وتصنف هذه الوسائل على انها عربية.
نحن أمام تعصب غربي بل لا أغالي القول اننا أمام سلفية غربية حيال العروبة وحتى حيال الإسلام .
ولعل الملفت هو في وحدة التوصيفات لدى الغرب فالرئيس عبد الناصر عام 1956 يحمل في الإعلام الغربي صفات إرهابي، فاشي، شمولي ، تماماً كما يحمل هذا التوصيف السيد حسن نصر الله أو أي مناضل قومي أو وطني ضد الإستعمار ... او ضد إسرائيل ... لا تتبدل المصطلحات وهي واحدة لأن نظرة الإستعمار موروثة، وتنطلق من ثقافة مسبقة.
الموروث المتراكم :
ها هو الإله زيوس إله الإغريق في صراعه ضد أخيه حول إمتلاك البحر والجغرافية المحيطة، يتحدث عن مسوخ يسكنون الصحراء ويتحدثون بالعربية، ويستخدمون لغة تشبه آيات القرآن، ويتحدثون عن الجن يصفهم بالبرابرة الملاعين ...
هذا ما رأيته في فيلم صراع الجبابرة الذي أنتجته هوليود مؤخراً ... ظهر المسوخ بثياب عربية ويتحدثون بالعربية، ويسكنون صحراء عربية في مشاهد غير مبررة حتى في سياق الفيلم إلا الإساءة للعرب.
هكذا نحن من أيام زيوس الى كوندوليزا رايس، والسيدة كلينتون، ومجموعة العنصريين الأوروبيين الجدد ... ما زلنا نملك توصيفاً إسلاموياً وشكلاً واحداً مسوخياً.
ثمة صورة مسبقة دائماً في الذاكرة السياسية والثقافية لدى الغرب، وقد يكون من الصعب محوها .
لقد امتلكت ثقافة العروبة كفكرة منهجاً واضحاً في تحديد الأولويات. إنطلق هذا المنهج من موقف صدامي مع الغرب ، تمثل في ثورات مختلفة بحثاً عن الإستقلال الوطني وامتلاك الهوية والشخصية القومية، ثم تكرس هذا المنهج بالصراع العربي – الإسرائيلي.
لم تتبدل فكرة العروبة الأساسية في النظرة نحو الغرب عن الموقع الصدامي بالرغم مما واجهته العروبة من ويلات وصدمات ونكسات، مازال مفهوم العروبة ينطلق في تثبيت الشخصية القومية من ان لا مناص من إستمرار المواجهة مع الغرب ، وبالطبع مع إسرائيل والغرب الذي بدل الآن المصطلحات وأنشأ ميديا خاصة لذلك سعت الى ضرب كل ما يعنيه مصطلح العروبة لصالح الهويتية الإسلاموية وما يرافق ذلك من مصطلحات، هو من يثبت منهجية هذا الصراع.
لقد سعى الغرب وربما نجح في ذلك في مستويات مختلفة الى ضرب معنى العروبة كفكرة جامعة كانت تعكس وعياً جماهيرياً عبر عن نفسه في تبني أنظمة سياسية عربية نشأت بعد النكبة تحديداً، الغرب سعى الى منح تحويل هذه الفكرة الى نوع من الصحوة التي قد تصل نحو قيام مشروع حضاري توعوي منفتح، لهذا كان الهدف ما بعد كامب ديفيد هو ضرب الوعي العروبي عبر منظومة إعلامية معولمة.
إن مشكلة بعض عروبيي هذه المرحلة ان هذه الفكرة الني تحتاج الى إمتلاك أدوات مازالت أسيرة الموروث في الممارسة دون إبتكار ما يتجاوز التراكم الثقافي الذي رافق نشوء مفهوم العروبة خاصة في تحديد إطار الصراع مع الغرب الذي لن ينفك عن محاولاته لضرب كل عناصر الإنتماء العروبي عند بعض العرب لتسود الان ظاهرة تعميم ثقافة الأقليات والعرقيات من اجل تكريس الإنتماءات المتناقضة التي تعبر عن نفسها في هذا الواقع العربي المأزوم.
التفسير الجغرافي للإنفعالات:
ينتصر الغرب علينا بالتفسير الجغرافي للإنفعالات الأقلوية والقطرية، في عالمنا العربي ، ونحن كعروبيين لم نستطع حتى الساعة إمتلاك القدرة على محاولة تجاوز كل الموروثات الإنتمائية الطائفية والمذهبية والقبلية والعرقية ، حيث نشأت مؤخراً ظاهرة (العروبة الضيقة) وما يرافق ذلك من تنظير لهذا الشكل من أشكال العروبة لدى (ليبراليين) ترنحوا أمام موجة المحافظين الجدد.
نحن لا مناص لنا ولا خيار إلا التمسك بالعروبة كهوية ، وايضاً كأيدولوجيا رغم معارضة البعض لأن تتحول العروبة الى أيدولوجيا لأن لا خيارات لنا غير ذلك.
فبالرغم من كل ما واجهنا، تظل العروبة سداً ممانعاً ومشروعاً متكاملاً وحصانه ضامنه تحول دون فقدان الشخصية القومية لأن الخيار الديني لم يقدم حلاً متكاملاً لوعي على مستوى الأمة في الصراع مع إسرائيل والغرب، والتنمية الداخلية، فيما العروبة قادرة على ان تقدم مشروعاً لمفهوم الوطنية الداخلية بما تحمل من طموح لحرية إجتماعية وسياسية تؤسس لمواجهة قادرة على مواجهة ما يواصل الغرب من سياسات.
|